الشيخ محمد هادي معرفة
22
تلخيص التمهيد
قال أبو إسحاق : أصل الوحي في اللغة كلّها : إعلام في خفاء ، ولذلك سمّي الإلهام وحياً . وقال ابن بري : وحى إليه وأوحى : كلَّمه بكلام يخفيه من غيره . ووحى وأوحى : أومأ . قال الشاعر : فأوحت إلينا والأنامل رسلها « 1 » أي أشارت بأناملها . الوحي في القرآن واستعمله القرآن في معانٍ أربعة : 1 - نفس المعنى اللغوي : الإيماءة الخفية . وقد مرّ في آية مريم . 2 - تركيز غريزيّ فطريّ ، وهو تكوين طبيعيّ مجعول في جبلَّة الأشياء ، استعارة من إعلام قوليّ لإعلام ذاتيّ ، بجامع الخفاء في كيفية الإلقاء والتلقّي ، فبما أنَّ الوحي إعلام سرّي ، ناسب استعارته لكلّ شعور باطنيّ فطريّ . ومنه قوله تعالى : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ . ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا » « 2 » . فهي تنتهج وفق فطرتها ، وتستوحي من باطن غريزتها ، مذلَّلة لما أودع فيها من غريزة العمل المنتظم ، ومن ثمَّ فهي لا تحيد عن تلك السبيل . ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : « وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها » « 3 » أي قدّر . وقد استوحى العجاج هذا المعنى من القرآن في قوله : أوحى لها القرار فاستقرَّت * وشدَّها بالراسيات الثبَّت « 4 » 3 - إلهامٌ نفسيّ ، وهو شعور في الباطن ، يحسّ به الإنسان إحساساً يخفى عليه مصدره أحياناً ، وأحياناً يلهم أنَّه من اللَّه . وقد يكون من غيره تعالى . وهذا المعنى هو المعروف عند الروحيين بظاهرة « التلباثي : التخاطر من بعيد » وهو خطور باطنيّ آنيّ لا يعرف مصدره . قالوا : إنَّها فكرة تنتقل من ذهن إنسان إلى آخر ،
--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور . ( 2 ) النحل : 68 و 69 . ( 3 ) فصّلت : 12 . ( 4 ) لسان العرب لابن منظور .